ابن كثير

329

البداية والنهاية

قلت أما أبو الحسن المدائني فاسمه علي بن المدائني أحد أئمة هذا الشأن ، وإمام الأخباريين في زمانه ، وقد قدمنا ذكر وفاته قبل هذه السنة . وأما : أبو تمام الطائي الشاعر صاحب الحماسة التي جمعها في فضل النساء بهمدان في دار وزيرها . فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى أبو تمام الطائي الشاعر الأديب . ونقل الخطيب عن محمد بن يحيى الصولي : أنه حكى عن بعض ( 1 ) الناس أنهم قالوا : أبو تمام حبيب بن تدرس ( 2 ) النصراني ، فسماه أبوه حبيب أوس بدل تدرس . قال ابن خلكان : وأصله من قرية جاسم من عمل الجيدور بالقرب من طبرية ، وكان بدمشق يعمل عند حائك ، ثم سار به إلى مصر في شبيبته . وابن خلكان أخذ ذلك من تاريخ ابن عساكر ، وقد ترجم له أبو تمام ترجمة حسنة . قال الخطيب : وهو شامي الأصل ، وكان بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع ، ثم جالس بعض الأدباء فأخذ عنهم وكان فطنا فهما ، وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد ، وشاع ذكره وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه وهو بسر من رأى ، فعمل فيه قصائد فأجازه وقدمه على شعراء وقته ، قدم بغداد فجالس الأدباء وعاشر العلماء ، وكان موصوفا بالظرف وحسن الأخلاق . وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر أخبارا بسنده . قال ابن خلكان : كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك ، وكان يقال : في طئ ثلاثة : حاتم في كرمه ( 3 ) ، وداود الطائي في زهده ، وأبو تمام في شعره . وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص ، ودعبل ، وابن أبي قيس ، وكان أبو تمام من خيارهم دينا وأدبا وأخلاقا . ومن رقيق شعره قوله : يا حليف الندى وما معدن الجود * ويا خير من حويت القريضا ليت حماك بي وكان لك الأجر * فلا تشكي وكنت المريضا وقد ذكر الخطيب عن إبراهيم بن محمد بن عرفة أن أبا تمام توفي في سنة إحدى وثلاثين ومائتين وكذا قال ابن جرير ( 4 ) . وحكى عن بعضهم أنه توفي في سنة إحدى وثلاثين ، وقيل سنة ثنتين وثلاثين فالله أعلم . وكانت وفاته بالموصل ، وبنيت على قبره قبة ، وقد رثاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات فقال :

--> ( 1 ) في الموازنة للآمدي 1 / 534 : عند أكثر الناس . ( 2 ) في ابن خلكان 2 / 11 والموازنة : تدوس . ( 3 ) في ابن خلكان 2 / 14 : جوده . ( 4 ) لم يأت ابن جرير في حوادث سنة 231 على ذكر أبي تمام ، بل ذكر وفاته في سنة 228 وقد تقدم ذلك .